فصل: ذكر الحيلة وإدخال عكا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية **


 ذكر وصول خبر الألمان

ولما دخل رمضان من شهور سنة خمس وثمانين وخمسمائة وصل من جانب حلب كتب من ولده الملك الظاهر عن نصرة يخبر فيها أنه قد صح أن ملك الألمان قد خرج إلى القسطنطينية في عدة عظيمة قبل مائتا ألف وقيل مائتان وستون ألفاً يريد البلاد الإسلامية فاشتد ذلك على السلطان وعظم عليه ورأى استشيار الناس للجهاد وإعلام خليفة الوقت بهذه الحادثة فاستدعاني لذلك وأمرني بالمسير إلى صاحب الجزيرة وصاحب الموصل وصاحب إربل واستدعاهم إلى الجهاد بأنفسهم وعساكرهم وأمرني بالمسير إلى بغداد لإعلام خليفة الزمان بذلك وتحريك عزمه على المعاونة وكان الخليفة إذ ذاك الناصر لدين الله أبا العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله وكان مسيري في ذلك المعنى في حادي عشر رمضان ويسر الله تعالى الوصول إلى الجماعة وإبلاغ الرسالة إليهم فأجابوا بنفوسهم وسار عماد الدين زنكي صاحب سنجار بعسكره وجمعه تلك السنة وسار ابن أخيه صاحب الجزيرة سنجر شاه بنفسه يجر عسكره وسير صاحب الموصل ابنه علاء الدين خرم شاه بمعظم عسكره وحضرت الديوان السعيد ببغداد وأنهيت الحال كما رسم ووعد بكل جميل وعدت إلى خدمته رحمة الله عليه وكان وصولي إليه في يوم الخميس خامس ربيع الأول من شهور سنة ست وثمانين وكنت قد سبقت العساكر وأخبرته بإجابتهم بالسمع والطاعة وباهتمامهم بالمسير فسر بذلك وفرح فرحاً شديداً‏.‏

 ذكر وقعة الرمل

التي على جانب نهر عكا ولما كان صفر من تلك السنة خرج السلطان يتصيد مطمئن النفس ببعد المنزلة عن العدو فأوغل في الصيد وبلغ ذلك العدو فاخذوا غرة العسكر واجتمعوا وخرجوا يريدون الهجوم على العسكر الإسلامي فأحس بهم الملك العادل فصاح بالناس وركبت العساكر من كل جانب وحمل على القوم وجرت مقتلة عظيمة قتل وجرح بينهما منهم خلق عظيم ولم يقتل من معروفي المسلمين إلا مملوك للسلطان يقال له أرغش وكان رجلاً صالحاً استشهد في ذلك اليوم وبلغ الخبر إلى السلطان فعاد منزعجاً فوجد الحرب قد انفصل وعاد كل فريق إلى حزبه وعاد العدو خائباً خاسراً ولله الحمد والمنة‏.‏

وما مضى من الوقعات شاهدت منها ما يشاهده مثلي وعرفت الباقي معرفة خاصة في هذه الأمور ومن نوادر هذه الواقعة أن مملوكاً كان للسلطان يدعى قره سنقر وكان شجاعاً قد قتل من أعداء الله خلقاً عظيماً وفتك فيهم فأخذوا في قلوبهم من نكايته فيهم وتجمعوا له وكمنوا له وخرج إليه بعضهم وتراأوا له فحمل عليهم حتى صار بينهم فوثبوا عليه من سائر جوانبه فأمسك واحداً منهم بشعره وضرب الآخر رقبته بسيفه فإنه كان قتل له أقرباء فوقعت الضربة في يد الممسك بشعره فقطعت يده وخلي سبيله فاشتد هارباً حتى عاد إلى أصحابه وأعداء الله يشتدون عدواً خلفه ولم يلحقه منهم أحد وعاد سالماً ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً‏.‏

 ذكر وفاة الفقيه عيسى

وهي مما بلغني ولم أكن حاضرها وذلك أنه مرض مرضاً يتعاهده وهو ضعيف النفس وعرض له إسهال أضعفه فلم تقطع صلابته ولم يغب ذهنه عنه إلى أن مات وكان رحمه الله كريماً شجاعاً حسن المقصد كبير الغرام بقضاء حوائج المسلمين توفي رحمه الله طلوع فجر الثلاثاء تاسع ذي القعدة من شهور سنة خمسة وثمانين‏.‏

ولما كان يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول علم الإفرنج المستحفظون بالشقيف أنهم لا عاصم لهم من أمر الله وأنهم إن أخذوا عنوة ضربت رقابهم فطلبوا الأمان وجرت مراجعات كثيرة في قاعدة الأوان وكانوا قد علموا من حال صاحبهم أنه قد عذب أشد العذاب فاستقرت القاعدة على أن الشقيف يسلم ويطلق صاحبه وجميع من فيه من الإفرنج ويترك ما فيه من أنواع الأموال والذخائر وعاد صاحب صيدا والإفرنج الذين كانوا بالشقيف إلى صور ولما رأى السلطان من اهتما الإفرنج من أقطار بلادهم بالمكان وتصويب عزائمهم نحوه اغتنم الشتاء وانقطاع البحر وجعل في عكا من الميرة والذخائر والعدد والرجال ما أمن معه عليها مع تقدير الله تعالى وتقدم إلى النواب بمصر أن عمروا لها أسطولاً عظيماً يحمل خلقاً كثيراً وسار حتى دخل عكا مكابرة للعدو ومراغمة له وأعطى العساكر دستوراً طول الشتاء يستجمعون ويستريحون وأقام هو مع نفر يسير قبالة العدو وقد حال بين العسكرين شدة الوحول وتعذر بذلك وصول بعضهم إلى بعض‏.‏

ظريفة كان لما بلغ خبر العدو وقصده عكا جمع الأمراء وأصحاب الرأي بمرج عيون وشاورهم فيما يصنع وكان رأيه أن قال المصلحة مناجزة القوم ومنعهم من النزول إلى البلد وإلا فإن نزلوا جعلوا الرجالة سوراً لهم وحفروا الخنادق وصعب علينا الوصول إليهم وخيف على البلد منهم وكانت إشارة الجماعة أنهم إذا نزلوا واجتمعت العساكر قلعناهم في يوم واحد وكان الأمر كما قال السلطان والله لقد سمعت هذا القول وشاهدت الفعل كما قال السلطان وهو يوافق معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم إن من أمتي لمحدثين ومكلمين وإن عمر لمنهم‏.‏

 ذكر وصول رسول الخليفة

ولم يزل السلطان مجداً في الإنفاذ إلى عكا بالميرة والعدد والأسلحة والرجال حتى انقضى الشتاء وانفتح البحر وحان زمان القتال كتب إلى العسكر يستدعيها من الأطراف ولما تواصل أوائل العساكر وقوي جيش الإسلام رحل السلطان نحو العدو ونزل على تل كيسان وذلك في ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين ورتب العسكر قلباً وميمنة وميسرة وأخذت العساكر في التواصل والنجدة في التواتر فوصل رسول الخليفة وهو شاب شريف ووصل معه حملان من النفط وجماعة من النفاطين والزراقين ووصل معه من الديوان العزيز النبوي مجده الله تعالى رقعة تتضمن الأذن للسلطان أن يقترض عشرين ألف دينار من التجار ينفقها في الجهاد ويحيل بها على الديوان العزيز فقبل جميع ما وصل مع الرسول واستغنى عن الرقعة والتثقيل بها وفي ذلك اليوم بلغ السلطان أن الإفرنج قد زحفوا على البلد وضايقوه فركب إليهم لشغلهم بالقتال عن البلد وقاتلهم قتالاً شديداً إلى أن فصل بين الطائفتين الليل وعاد كل فريق إلى أصحابه ورأى السلطان قوة العساكر الإسلامية وبعد المكان عن العدو فخاف أن لا يهجم البلد ويتم عليه أمر فرأى الانتقال إلى تل العجول بالكلية فانتقل بالعسكر والثقل في الخامس والعشرين وفي صبيحة هذا اليوم وصلت كتب أن قد طم العدو بعض الخندق وقوي عزمه على منازلة البلد ومضايقته فجدد الكتب إلى العساكر بالحث على الوصول وعبى العسكر تعبية القتال وزحف إلى العدو ليشغله عن ذلك ولما كان سحر ليلة الجمعة السابع والعشرين وصل ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي صاحب حلب جريدة إلى خدمته معاجلة البر وترك عسكره في المنزلة وخدم والده وبل شوقه منه وعاد إلى عسكره في الثامن والعشرين وسار حتى وصل في ذلك اليوم بجحفله وقد أظهروا الزينة ولبسوا لامة الحرب وكثرت الأعلام والبيارق وضربت الكؤوسات ونعقت البوقات وعرض بين يدي والده وكان قد ركب إلى لقائه في المرج وسار بهم حتى وقف بهم على العدو وشاهدوا من جند الله ما أزعجهم وأقلقهم وفي أواخر ذلك اليوم قدم مظفر الدين بن زين الدين جريدة أيضاً مسارعة للخدمة ثم عاد إلى عسكره في لامة الحرب فعرضهم السلطان حتى وقف بهم على العدو وكان ما تقدم عسكر إلا يعرضهم ويسيرهم إلى العدو وينزل بهم في خيمته يمد لهم الطعام وينعم عليهم بما يطيب به قلوبهم إذا كانوا أجانب ثم تضرب خيامهم حيث يأمر وينزلون بها مكرمين‏.‏

لطيفة تدل على سعادة ولده الملك الظاهر عز نصره

وذلك أن العدو كان قد اصطنع ثلاثة أبراج من خشب وحديد وألبسها الجلود المسقاة بالخل على ما ذكر بحيث لا تنفذ فيها النيران وكانت هذه الأبراج كأنها الجبال نشاهدها من مواضعنا عالية على سور البلد وهي مركبة على عجل يسع الواحد منها من المقاتلة ما يزيد على خمسمائة نفر على ما قيل ويتسع سطحها لأن ينصب عليه منجنيق وكان ذلك قد عمل في قلوب المسلمين وأودعها من الخوف ما لا يمكن شرحه وأيس الناس من البلد بالكلية وتقطعت قلوب المقاتلة فيه وكان فرغ من عملها ولم يبق إلا جرها إلى قريب السور وكان السلطان قد أعمل فكره في إحراقها وإهلاكها وجمع الصناع من الزراقين والنفاطين وحثهم على الاجتهاد في إحراقها ووعدهم عليه بالأموال الطائلة والعطايا الجزيلة وضاقت حيلهم عن ذلك وكان من جملة من حضر شاب نحاس دمشقي ذكر بين يديه أن له صناعة في إحراقها وأنه إن مكن من الدخول إلى عكا وحصلت له الأدوية التي يعرفها أحرقها فحصل له جميع ما طلبه ودخل إلى عكا وطبخ الأدوية مع النفط في قدور نحاس حتى صار الجميع كأنه جمرة نار ولما كان يوم وصول الملك الظاهر ضرب واحداً بقدر فلم يكن إلا أن وقعت فيه فاشتعل من ساعته ووقته وصار كالجبل العظيم من النار طالعة ذؤابته نحو السماء واستغاث المسلمون بالتهليل وعلاهم الفرح حتى كادت عقولهم تذهب وبينما الناس ينظرون ويتعجبون إذ رمى البرج بالقدر الثانية فما كان إلا أن وصلت إليه واشتعلت كالتي قبلها فاشتد ضجيج الفئتين وانعقدت الأصوات إلى السماء وما كان إلا ساعة حتى ضرب الثالث فالتهب وغشي الناس من الفرح والسرور ما حرك ذوي الأحلام والنهي منهم حركة الشباب الرعنا وركب السلطان وركبت العساكر ميمنة وميسرة وقلباً وكان أواخر النهار وسار حتى أتى عسكر القوم وانتظر أن يخرجوا فيناجزهم عملاً بقوله صلّى الله عليه وسلّم من فتح له باب من الخير فلينتهزه‏.‏

فلم يظهر العدو من خيامهم وحال بين الطائفتين الليل وعاد كل فريق إلى حزبه ورأى الناس ذلك ببركة قدوم الملك الظاهر واستبشر والده بغرته وعلم أن ذلك بيمن صلاح سريرته واستمر ركوب السلطان إليهم في كل يوم وطلب نزالهم وقاتلهم وهم لا يخرجون من خيامهم لعلمهم ببشائر النصر والظفر بهم والعساكر الإسلامية تتواتر وتتواصل‏.‏

ولما كان الثاني والعشرون من ربيع الآخر وصل عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار يجر عسكره ووصل بتجمل حسن وعسكر تام ولقيه السلطان بالاحترام والتعظيم ورتب له العسكر في لقائه وكان أول من لقيه من العسكر المنصور قضاته وكتابه ثم لقيه أولاده بعد ذلك ثم لقيه السلطان ثم سار به حتى أوقفه على العدو وعاد معه إلى خيمته وأنزله عنده وكان صنع له طعاماً لائقاً بذلك اليوم فحضر هو وجميع أصحابه وقدم له من التحف واللطائف ما لا يقدر غيره عليه وكان قد أكرمه بحيث طرح له طراحة مستقلة إلى جانبه وبسط له ثوب أطلس عند دخوله وضرب له خيمة على طرف الميسرة على جانب النهر‏.‏

فلما كان سابع جمادى الأولى من هذه السنة وصل سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الجزيرة ووصل في عسكر حسن فلقيه السلطان واحترمه وأكرمه وأنزله في خيمته وأمر أن ضربت خيمته إلى جانب عماد الدين‏.‏

وفي تاسع الشهر وصل علاء الدين بن مسعود صاحب الموصل مقدماً على عسكره ففرح السلطان بقدومه فرحاً شديداً وتلقاه عن بعد هو وأهله واستحسن أدبه وأنزله عنده في الخيمة وكارمه مكارمة عظيمة وقدم له تحفاً حسنة وأمر بضرب خيمته بين ولديه الملك الأفضل والملك الظاهر‏.‏

وما من أهله إلا من بسط له من ضيافته وجهاً مضيئاً ولما كانت ظهيرة نهار ذلك اليوم ظهرت في البحر قلوع كثيرة وكان رحمه الله في نظرة وصول الأسطول من مصر فإنه كان قد أمر بتعميره ووصوله فعلما أنه هو فركب السلطان وركب الناس في خدمته وتعبى تعبية القتال وقصد مضايقة العدو لينسله عن قصد الأسطول ولما علم العدو وصول الأسطول استعدوا له وعمروا أسطولاً لقتاله ومنعه من دخول عكا وخرج أسطول العدو واشتد السلطان في قتاله من خارج وسار الناس على جانب البحر تقوية للأسطول وإيناساً لرجاله والتقى الأسطولان في البحر والعسكران في البر واضطرمت نيران الحرب واستعرت وباع كل فريق روحه براحته الأخروية ورجح حياته الأبدية على حياته الدنيوية وجرى بين الأسطولين قتال شديد تقشع عن نصرة الأسطول الإسلامي وأخذ من العدو الشوابي وقتل من به ونهب جميع ما فيه وظفر من العدو بمركب أيضاً كان واصلاً من قسطنطينية ودخل الأسطول المنصور إلى عكا وكان قد صحبه مراكب من الساحل فيها مير وذخائر وطابت قلوب أهل البلد وانشرحت صدورهم فإن الضائقة كانت قد أخذت منهم واتصل القتال بين العسكرين من خارج البلد إلى أن فصل بينهما الليل وعاد كل فريق إلى خيامه وقد قتل من عدو الله وجرح خلق كثير عظيم فإنهم قاتلوا في ثلاثة مواضع فإن أهل البلد اشتدوا في قتالهم ليشغلوهم عن الأسطول أيضاً والأسطولان يتقاتلان والعسكر يقاتلهم من البر وكان النصر للمسلمين في الأماكن كلها ثم كان وصول زين الدين صاحب إربل في العشر الأواخر من جمادى الأولى وهو زين الدين يوسف بن علي بن بكتكين قدم بعسكر حسن وتجمل جميل فاحترمه السلطان وأكرمه وأنزله في خيمته وأكرم ضيافته وأمر بضرب خيمته إلى جاني خيمة أخيه مظفر الدين‏.‏

ذكر خبر ملك الألمان ثم تواترت الأخبار بوصول ملك الألمان إلى بلاد قليج أرسلان وأنه نهض للقائه جمع عظيم من التركمان وقصدوا منعه من عبور النهر وأنه أعجزهم لكثرة خلقه وعدم مقدم لهم يجمع كلمتهم وكان قليج أرسلان أظهر شقاقه وهو في الباطن قد أضمر وفاقه ثم لما عبر إلى البلاد أظهر ما كان أضمر ووافقه وأعطاه رهائن منه على أن ينفذ معه من يوصله إلى بلاد ابن لاون وأنفذ معه أدلاء‏.‏

وعراهم في الطريق جوع عظيم حتى ألقوا بعض أقمشتهم ولقد بلغنا والله أعلم أنهم جمعوا عدداً كثيرة من زرديات وخوذ وآلات سلاح عجزوا عن حملها وجعلوها سدراً واحداً وأضرموا فيها النار لتتلف ولا ينتفع بها أحد وأنها بقيت بعد ذلك تلاً من حديد وساروا على ذلك الحال حتى أتوا إلى بلد يقال لها طرسوس فأقاموا على نهر ليعبر‏.‏

وأما ملكهم فعن له أن يسبح فيه وكان ماؤه شديد البرد وكان ذلك عقيب ما ناله من التعب والنصب والمشقة والخوف وأنه عرض له بسبب ذلك مرض عظيم اشتد به إلى أن قتله ولما رأى ما حل به أوصى إلى ابنه الذي كان في صحبته ولما مات أجمعوا رأيهم إلى أن سلقوه في خل وجمعوا عظامه في كيس على أن يحملوه إلى القدس الشريف حرسه الله ويدفنوه في القدس وترتب ابنه مكانه على خلف من أصحابه فإن ولده الأكبر كان قد خلفه في بلاده وكان جماعة من أصحابه يميلون إليه واستقر قدم ولده الحاضر في تقدمة العسكر ولما أحس ابن لاون بما جرى عليهم من الخلل وما حل بهم من الجوع والموت والضعف بسبب موت ملكهم ما رأى أن يلقي بنفسه بينهم فإنه لا يعلم كيف يكون الأمر وهم إفرنج وهو أرمني فاعتصم هو عنهم في بعض قلاعه المنيعة‏.‏

 صورة كتاب الكايفكوس الأرمني

ولقد وصل إلى السلطان كتاب من الكايفكوس وهو مقدم الأرمن وهو صاحب قلعة الروم التي على طرف الفرات نسخة هذه ترجمتها‏:‏ كتاب الداعي المخلص الكايفكوس ما أطالع به علم مولانا ومالكنا السلطان الناصر جامع كلمة الإيمان‏.‏

رافع علم العدل والإحسان صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أدام الله إقباله وضاعف جلاله‏.‏

وصان مهجته وكمل نهاية آماله‏.‏

بعظمته وجلاله‏.‏

من أمر ملك الألمان وما جرى له عند ظهوره وذلك أنه أول ما خرج من دياره ودخل بلاد الهنكر غصباً غصب ملك الهنكر بالإذعان والدخول تحت طاعته وأخذ من ماله ورجاله ما اختار ثم إنه دخل أرض مقد الروم وفتح البلاد ونهبها وأقام بها وأخرج ملك الروم إلى أن أطاعه وأخذ رهائنه ولده وأخاه وأربعين نفراً من خلصائه وأخذ منه خمسين قنطاراً ذهباً وخمسين قنطاراً فضة وثياب أطلس بمبلغ عظيم واغتصب المراكب وعاد بها إلى هذا الجنب وصحبته الرهائن إلى أن دخل حدود بلاد الملك قليج أرسلان ورد الرهائن وبقي سائراً ثلاثة أيام وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والبقر والخيل والبضائع فداخلهم الطمع وجمعوا جموعاً من جميع البلاد ووقع القتل بين التركمان وبينه وضايقوه ثلاثة وثلاثين يوماً وهو سائر ولما قرب من قونية جمع قطب الدين ولد قليج أرسلان العساكر وقصده وضرب منه مصافاً عظيماً فظفر به ملك الألمان وكسره كسرة عظيمة وسار حتى أشرف على قونية فخرج إليه جموع عظيمة من المسلمين فردهم مكسورين وهجم على قونية بالسيف وقتل منهم عالماً عظيماً من المسلمين والفرس وأقام بها خمسة أيام فطلب منه قليج أرسلان منه الأمان فأمنه الملك واستقر بينهم قاعدة أكيدة وأخذ الملك منه رهائن عشرين من أكابر دولته وأشار على الملك أن يجعل على طرسوس والمصيصة ففعل وقبل منه وقبل وصوله إلى هذه الديار اختياراً أو كرهاً اقتضى الحال إنفاذ المملوك حلتم وصحبته ما سأل ومعه من الخواص جماعة للقاء الملك وجواب كتابه وكانت الوصية أن يمروا به على بلاد قليج أرسلان إن أمكن فلما اجتمعوا بالملك الكبير وأمادوا عليه الجواب عرفوه الأحوال بالانحراف ثم كثرت عليه العساكر والجموع ونزل على شط بعض الأنهار وأكل خبزاً ونام وانتبه فتاقت نفسه إلى الاستحمام في الماء البارد ففعل ذلك وكان من أمر الله أن تحرك عليه مرض عظيم من الماء البارد فمكث أياماً قلائل ومات وأما ابن لاون فإنه كان سائراً يلقى الملك فلما جرى هيرا المجرى هرب الرسل من العسكر وتقدموا إليه وأخبروه في الحال فدخل في بعض حصونه واحتمى هناك‏.‏

وأما ابن الملك فكان أبوه منذ توجه إلى قصد هذه الديار نصب ولده الذي معه عوضه واستقرت القاعدة وبلغه هرب رسل ابن لاون فأنفذ واستعطفهم وأحضرهم وقال إن أبي كان شيخاً كبيراً وما قصد هذه الديار إلا لأجل حج بيت المقدس وأنا الذي دبرت الملك وعاينت المشاق في هذه الطريق فمن أطاعني وإلا قصدت دياره واستعطب ابن لاون واقتضى الحال الاجتماع ضرورة وبالجملة فهو في عدد كثير ولقد عرض عسكره فكان اثنين وأربعين مجفجفاً وأما الرجالة فما يحصى عددهم وهم أجناس متفاوتة على قصد عظيم وحد في أمرهم وسياسة هائلة حتى أن من جنى منهم جناية فليس له جزاء إلا أن يذبح مثل الشاة ولقد بلغهم عن بعض أكابرهم أنه جنى على غلام له وجاوز الحد في ضربه فاجتمعت القسوس للحكم فاقتضى الحال والحكم العام ذبحه وشفع إلى الملك منهم خلق عظيم فلم يلتفت إلى ذلك وذبحه وقد حرموا الملاذ على أنفسهم حتى أن من بلغه عنه بلوغ لذة هجروه وعزروه كل ذلك كان حزناً على البيت المقدس‏.‏

ولقد صح عن جمع منهم أنهم هجروا الثياب مدة طويلة وحرموا ما حل ولم يلبسوا إلا الحديد حتى أنكر عليهم الأكابر ذلك وهم من الصبر على الشقاء والذل والتعب في حال عظيم‏.‏

طالع المملوك بالحال وما يتجدد بعد ذلك يطالع به إن شاء الله تعالى هذا كتاب الكايفكوس ومعنى هذا اللفظ الخليفة واسمه بر كرى كور بن باسيل‏.‏

 ذكر مسير العساكر إلى أطراف البلاد في طريق ملك الألمان

ولما تحقق السلطان وصول ملك الروم إلى بلاد ابن لاون وقربه إلى البلاد الإسلامية جمع أمراء دولته وأرباب الآراء وشاورهم فيما يصنع فاتفق الرأي على أن العسكر بعضه يسير إلى البلاد المتاخمة لطريق عسكر العدو الواصل وأن يقيم على منازلة العدو بباقي العسكر المنصور وكان أول من سار صاحب منبج وهو ناصر الدين بن تقي الدين ثم عز الدين بن المقدم صاحب كفر طاب وبارين وغيرهما ثم مجد الدين صاحب بعلبك ثم صاحب شيزر سابق الدين ثم الباروقية من جملة عسكر حلب ثم عسكر حماة‏.‏

وسار ولده الملك الأفضل مع مرض عرض له ثم بدر الدين شحنة دمشق مع مرض عرض له أيضاً وسار بعد ذلك ولده الملك الظاهر إلى حلب لإبانة الطريق وكشفاً لأخباره وحفظاً لما يليه من البلاد وسار بعده الملك المظفر لحفظ ما يليه من البلاد وتدبير أمر العدو المجتاز ولما سارت هذه العساكر خفت الميمنة فإن معظم من سار منها فأمر رحمه الله الملك العادل أن ينتقل إلى منزلة تقي الدين في طرف الميمنة وكان عماد الدين زنكي في طرف الميسرة‏.‏

ووقع في العسكر مرض عظيم فمرض مظفر الدين صاحب حران وشفي ومرض بعده الملك الظافر وشفي ومرض خلق كثير من الأكابر وغيرهم إلا أن المرض كان سليماً بحمد الله وكان المرض عند العدو أكثر وأعظم وكان مقروناً بموتان عظيم وأقام السلطان مصابراً على ذلك مرابطاً للعدو‏.‏

 ذكر تمام خبر ملك الألمان

وذلك أن ولده الذي قام مقامه مرض مرضاً عظيماً أقام بسببه بموضع من بلاد ابن لاون وأقام معه خمسة وعشرون فارساً وأربعون داوياً وجهز عسكره نحو أنطاكية حتى يقطعوا الطريق ورتبهم ثلاث فرق لكثرتهم ثم إن الفرقة الأولى اجتازت تحت قلعة بغراس بقدمها كند عظيم عندهم وأن عسكر بغراس مع قلته أخذ منهم مائتي رجل قهراً ونهباً وكبت جزء منهم بالضعف العظيم والمرض الشديد وقلة الخيل والظهر والعدد والآلات ولما تصل هذا الخبر بالنوال في البلاد الشامية أنفذوا إليهم عسكراً يكشف أخبارهم فوقع العسكر على جمع عظيم قد خرجوا لطلب العلوفة فأغاروا عليهم غارة عظيمة وقتلوا وأسروا وكان مقدار ما أخذوه وقتلوه على ما ذكره المخبرون في الكتب زهاء خمسمائة نفس ولقد حضرت رسالة رسول ثان من كبغا الفرس بين يدي السلطان وهو يذكر خبرهم ويقول عدد كثير لكنهم ضعاف قليلو الخيل والعدة وأكثر ثقلهم على حمر وخيل ضعيفة قال ولقد وقفت على جسر يعبرون عليه لأعتبرهم فعبر منهم جمع عظيم ما وجدت مع واحد منهم طارقة ولا رمحاً إلا النادر فسألتهم عن ذلك فقالوا أقمنا بمرج وخم أياماً فقلّ زادنا وأحطابنا وأوفدنا معظم عدننا ومات منا خلق عظيم واحتجنا إلى ا لخيل فذبحناها وأكلناها وأوقدنا الرماح والعدد لإعواز الحطب‏.‏

وأما الكند الذي وصل إلى أنطاكية في مقدمة العسكر فإنه مات وذكر أن ابن لاون لما أحس منهم بذلك الضعف طمع فيهم حتى أنه عزم على أخذ مال الملك لمرضه وضعفه وقلة جمعه الذي تخلف معه وأن البرنس صاحب أنطاكية لما أحس منهم بذلك أرسل إلى ملك الألمان التقطه إلى أنطاكية طمعاً في أن يموت عنده ويأخذ ماله ولم تزل أخبارهم تتواتر بالضعف والمرض إلى أن وقعت وقعة العادل على طرف البحر‏.‏

ولما كان يوم الأربعاء العشرون من جمادى الآخرة علم عدو الله أن العساكر قد تفرقت وأن الميمنة قد خفت لأن معظم من سافر كان منها يحكم قرب بلادهم من طريق العدو فأجمعوا رأيهم واتفقت كلمتهم على أنهم يخرجون بغتة ويهجمون على طرف الميمنة فجأة وتلاعبت بهم آمالهم فخرجوا ظهيرة النهار وامتدوا ميمنة وميسرة وقلباً وانبثوا في الأرض وكانوا عدداً عظيماً واستخفوا طرف الميمنة وكان فيها مخيم الملك العادل فلما بصر الناس بهم قد خرجوا في تعبية القتال صاح صائحهم وخرجوا من خيامهم كالأسود من آجامها وركب السلطان ونادى مناديه يا للإسلام وركبت الجيوش وطلبت الأطلاب ولقد رأيته رحمه الله قد ركب من خيمته وحوله نفر يسير من خواصه والناس لم يستتم ركوبهم وهو كالفاقدة ولدها‏.‏

الثاكلة واحدها‏.‏

ثم ضرب الكؤس وأجابته كؤسات الأمراء من أماكنها وركب الناس وأما الإفرنج فإنهم سارعوا في القصد إلى الميمنة حتى وصلوا إلى خيمة الملك العادل ودخلوا في راقة وامتدت أيديهم في السوق وأطراف الخيم بالنهب والغارة وقيل وصلوا إلى خيمة الخاص وأخذوا من شراب خاناتها شيئاً وأما الملك العادل فإنه لما علم بذلك ركب وخرج من خيمته واستركب من يليه بالميمنة كالطواشي قايماز النجمي ومن يجراه من أسود الإسلام ووقف وقوف مخادع حتى يوغل بهم طمعهم في الخيم ويشتغلوا في النهب وكان كما ظن فإنهم عاثت أيديهم في الخيام والأقمشة والفواكه والمطاعم فلما علم اشتغالهم بذلك صاح بالناس وحمل بنفسه وحمل حملته من كان يليه عن الميمنة واتصل الأمر بجميع الميمنة حتى وصل الصائح إلى عسكر الموصل وهجموا على العدو هجمة الأسود على فريستها وأمكنهم الله منهم ووقعت الكسرة فعادوا يشتدون نحو خيامهم هاربين‏.‏

وعلى أعقابهم ناكصين‏.‏

وسيف الله فيهم يلتقط الأرواح من الأشباح ويفصل بين الأجساد والرؤوس‏.‏

ويفرق بين الأبدان والنفوس‏.‏

ولما بصر السلطان باصطلاء الحرب قد ارتفع مما يلي خيام أخيه ثارت في قلبه نار الإشفاق وحركت الحمية أخوته‏.‏

وأنهضت لرغبة في نصرة دين الله والخوف على أوليائه عزيمته وصاح صائحه في الناس يا للإسلام وأبطال الموحدين هذا عدو الله قد أمكن الله منه وقد داخله الطمع حتى غشي خيامكم بنفسه فكان من المبادرين إلى إجابة دعوته جماعة من مماليكه وخاصته وخلقته ثم طلب عسكر الموصل يقدمهم علاء الدين ثم عسكر مصر يقدمهم سنقر الحلبي وتتابعت العساكر وتجاوبت الأبطال ووقف رحمه الله في القلب خشية أن يستضعف العدو القلب بحكم ما أنفذ منه من العساكر فينال غرضاً فتواصلت العساكر واتصل الضرب وقامت سوق الحرب فلم يكن إلا ساعة حتى رأيت القوم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية وامتدوا مطروحين من خيام الملك العادل إلى خيامهم أولهم في الخيم الإسلامية وآخرهم في خيم العدو صرعى على التلول والوهاد وسرت السيوف من دمائهم حتى رويت وأكلت أسد الوغى بأسنان الظفر منهم حتى شبعت‏.‏

وأظهر الله كلمته‏.‏

وحقق لعبد نصرته‏.‏

وكان مقدار ما امتد فيه القتلى فيما بين الخيامين فرسخاً وربما زاد على ذلك ولم ينج من القوم إلا النادر‏.‏

ولقد خضت في تلك الدماء بدابتي واجتهدت في أن أعدهم فما قدرت على ذلك لكثرتهم وتفرقهم وشاهدت فيهم امرأتين مقتولتين وحكى لي من شاهد أربعة نسوة يقاتلن وأسر منهن اثنتان وأسر من الرجال في ذلك اليوم نفر يسير فإن السلطان كان أمر الناس أن لا يستبقوا أحداً هذا كله في الميمنة وبعض القلب وأما الميسرة فما اتصل الصائح بهم إلا وقد تجز الأمر وقضى القضاء على العدو ما بين الظهر والعصر فإن العدو ظهر في قائم الظهيرة وانفصلت الحرب بعد صلاة العصر وانكسر القوم حتى دخلت طائفة من المسلمين وراءهم إلى مخيمهم على ما قيل ولم يفقد من المسلمين أحد في ذلك اليوم سوى عشرة أنفس غير معروفين‏.‏

ولما أحس جند الله بعكا بما جرى من الوقعة فإنهم كانوا يشاهدون الوقعة من أعالي السور خرجوا إلى مخيم العدو وجرت بينهم مقتلة عظيمة وكانت النصرة للمسلمين بحيث هجموا على خيام العدو ونهبوا منها جمعاُ من النسوان والأقمشة حتى القدور فيها الطعام ووصل كتاب من المدينة يخبر بذلك وكان يوماً على الكافرين عسيراً واختلف الناس في عدد القتلى منهم فذكر قوام أنهم ثمانية آلاف‏.‏

ولق شاهدت منهم خمسة صفوف أولها في خيم العادل وآخرها في خيم العدو لقد لقيت إنساناً جندياً عاقلاً جندياً يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم فقلت له كم عددت فقال لي ها هنا أربعة آلاف ونيف وستون قتيلاً وكان قد عد صفين وهو في الصف الثالث لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عدداً من الباقي وانجلى يوم الأربعاء المذكور بأحسن ما ينجلي عنه الإسلام ولما كان يوم الخميس الحادي والعشرون من جمادى المذكورة ورد في عصره نجاب من حلب له خمسة أيام يتضمن كتابه أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية ونهض العسكر الإسلامي من حلب إليهم وأخذ عليهم الطريق ولم ينج منهم إلا من شاء الله وكان وقع هذه الواقعة المباركة واقعاً عظيماً وضربت البشائر ولم ير صبيحة لتلك العروس أحسن من هذه الصبيحة‏.‏

وجاءنا بقية ذلك اليوم من اليزك قايماز الحراني وذكر أن العدو قد سأل من جانب السلطان من يصل إليهم ليسمع منه حديثاً في سؤال الصلح لضعف حل بهم ولم يزل عدو الله من حينه مكسور الجناح من الجانبين حتى وصلهم كند يقال له كندهري‏.‏

 ذكر وصول الكندهري

وهذا المذكور من ملوكهم وأعيانهم وصل في البحر في مراكب عدة ومعه من الأموال والذخائر والمسيرة والأسلحة والرجال عدد عظيم فقوي بوصوله عزمهم واشتد أزرهم وحدثتهم نفوسهم بطلب العسكر الإسلامي المنصور ليلاً وكثر ذلك الحديث على ألسنة المستأمنين والجواسيس فجمع السلطان الأمراء وأرباب الرأي واستشارهم فيما يفعل فكان آخر الرأي أنهم يوسعون الحلقة ويتأخرون عن العدو رجاء أن يخرج العدو ويبعد عن خيمه فيمكن الله منهم ووافقهم السلطان على ذلك وأوقعه الله في قلبه فرحل إلى جبل الخروبة بالعساكر بأسرها وذلك في السابع والعشرين من جمادى الآخرى وترك نقية من العسكر في تلك المنزلة كاليزك مقدار ألف فارس يتناوبون لحفظ النوبة‏.‏

هذا والكتب متواصلة من عكا ومنا إليها على أجنحة الطيور وأيدي السياح والمراكب اللطاف تخرج ليلاً وتدخل سرقة من العدو‏.‏

هذا وأخبار العدو الواصل من الشمال متواصلة بقلة خيله وعدده وما قد عراهم من الموت والمرض وأنهم قد اجتمعوا بأنطاكية وأنهم قد بقوا رجالة وأن أصحابنا عسكر حلب يتخطفون حشاشتهم وعلاقتهم ومن يخرج منهم‏.‏

 ذكر كتاب وصل من قسطنطينية يسر الله فتحها

وكان بين السلطان وملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة وكان وصل منه رسول إلى باب السلطاني بمرج عيون هم رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة في جواب رسول كان أنفذه السلطان إليه بعد تقرير القواعد وإقامة قانون الخطبة في جامع قسطنطينية فمضى الرسول وأقام الخطبة ولقي احتراماً عظيماً وإكراماً زائداً وكان قد أنفذ معه في المراكب الخطيب والمنبر وجمعاً من المؤذنين والقراء وكان يوم دخولهم القسطنطينية يوماً عظيماً من أيام الإسلام شاهده جمع كثير من التجار ورقي الخطيب المنبر واجتمع إليه المسلمون المقيمون بها والتجار أقام الدعوة الإسلامية العباسية ثم عاد فعاد معه هذا الرسول يخبرنا بانتظار الحال في ذلك فأقام مدة‏.‏

ولقد شاهدته يبلغ الرسالة ومعه ترجمان يترجم عنه وهو شيخ أحسن ما يفرض أن يكون من صور المشايخ وعليه زيهم الذي يختص بهم ومعه كتاب وتذكرة مختوم والكتاب بذهب ولما مات وصل إلى ملك قسطنطينية خبر وفاته فأنفذ هذا الرسول في تتمة ذلك ووصل معه الكتاب في جواب ذلك‏.‏

وصورة ما فسر من الكتاب الواصل معه ووصفه أنه كان كتاباً مدرجاً عرضاً وهو دون عرض كتاب بغداد مترجماً ظاهره وبلطنه بسطرين بينهما فرجة وضع فيها الختم والختم من ذهب مطبوع كما يطبع الخاتم في الشمع على ختمه صورة ملك وزن الذهب خمسة عشر ديناراً مضمون السطرين المكتوبين ما هذا صورته‏:‏ من إيساكيوس الملك المؤمن بالمسيح الإله المتوج من الله المنصور العالي أبداً أففقوس المدبر من الله القاهر الذي لا يغلب ضابط الروم بذاته أنكلوس إلى النسيب سلطان مصر صلاح الدين والحمية والمودة‏.‏

قد وصل خط نسبتك الذي أنفذت إلى ملكي وقرأناه وعلمناه من أن رسولنا توفي وحزنا عليه حيث أنه توفي في بلد وريب وما قدر أن يتم كل ما رسم له ملكي وأمره أن يتحدث به مع نسبتك ويقول في حضرتك ولا بد لنسبتك أن تهتم بإنفاذ رسول إلى ملكي مع رسول المتوفى والقماش الذي خلقه ويوجد بعد موته لنعطيه أولاده وأقاربه وما أظن أنه يسمع من نسبتك أخباراً ودية وأنه قد سافر في بلادي الألمان ولا عجب فإن الأعداء يرجفون بأشياء مكذوبة على قدر أغراضهم ولو تشتهي أن تسمع الحق فإنهم قد تأذوا وتعبوا كثيراً أكثر مما أوذي فلاحو بلادك وقد خسروا كثيراً من المال والدواب والرجال ومات منهم وقتلوا وبالشدة قد تخلصوا من أيدي أجناد بلادي وقد ضعفوا بحيث أنهم لا يصلون إلى بلادك فإن وصلوا كانوا ضعافاً بعد شدة كبيرة لا ينفعون جنسهم ولا يضرون نسبتك‏.‏

وبعد ذلك كيف نسيت الذي بيني وبينك وكيف ما عرفت لملكي شيئاً من المقاصد والمهمات‏.‏

ما ربح ملكي من محبتك إلا عداوة الإفرنج وجنسهم فوقف رحمه الله على هذه الترجمة وأكرم الرسول وأحسن مثواه‏.‏

وكان شيخاً حسن الخلق نبيهاً عارفاً بالعربية والرومية والإفرنجية ثم إن الإفرنج شدوا في حصار البلد وضايقوه لما قد حدث لهم من القوة بوصول الكندهري فإنه وصل على ما ذكر والله أعلم في عشرة آلاف مقاتل ووصلتهم نجدة أخرى في البحر قويت بها قلوبهم ونازلوا البلد بالقتال‏.‏

 ذكر حريق المنجنيقات

وذلك أن العدو لما أحس في نفسه بقوته بسبب توالي النجدات عليهم اشتد طمعهم في البلد وركبوا عليه المنجنيقات من كل جانب وتناوبوا عليها بحيث لا يتعطل رميها ليلاً ولا نهاراً وذلك في أثناء رجب‏.‏

ولما رأى أهل البلد ما نزل بهم من مضايقة العدو وتعلق طمعهم بهم حركتهم النخوة الإسلامية وكان مقدموه حينئذ أما والي البلد وحارسه فالأمير الكبير بهاء الدين قراقوش وأما مقدم العسكر فالأمير الكبير الاسفهسلان حسام الدين أبو الهيجاء وكان رجلاً ذا كرم وشجاعة وتقدم في عشيرته ومضاء في عزيمته فاجتمع رأيهم على أنهم يخرجون إلى العدو فارسهم وراجلهم على غرة وغفلة منهم ففعلوا ذلك وفتحت الأبواب وخرجوا دفعة واحدة من كل جانب ولم يشعر العدو إلا والسيف فيهم حاكم عادل وسهم قدر الله وقضائه فيهم نافذ نازل وهجم الإسلام على الكفر في منازله وأخذ بناصية مناضله ورأس مقاتلة ولما ولج المسلمون لخيام العدو ذهلوا عن المنجنيقات وحياطتها وحراستها‏.‏

وحفظها وسياستها‏.‏

فوصلت شهب الزراقين المقذوفة‏.‏

وجاءت عوائد الله في نصرة دينه المألوفة‏.‏

فلم تكن ساعة حتى اضطرمت فيها النيران‏.‏

وتحرقت منها بيدها ما شيدها الأعداء في المدة الطويلة في أقرب آن‏.‏

وقتل من العدو سبعون فارساً وأسر خلق عظيم وكان من جملة الأسرى رجل مذكور منهم ظفر به واحد من آحاد الناس ولم يعلم بمكانته‏.‏

ولما انفصل الحرب سأل الإفرنج عنه هل هو حي أم لا فعرف الذي هو عنده عند سؤالهم أنه رجل كبير فيهم وخاف أن يغلب عليه ويرد بنوع مصانعة أو على وجه من الوجوه فسارع وقتله وبذل الإفرنج فيه أموالاً كثيرة ولم يزالوا يشتدون في طلبه ويحرصون عليه حتى ريئت لهم جثته فضربوا بنفوسهم الأرض وحثوا على رؤوسهم التراب ووقعت عليهم بسبب ذلك خمدة عظيمة وكتموا أمره ولم يظهروا من كان واستصغر المسلمون بعد ذلك أمرهم وهجم عليهم العرب من كل جانب يسرقون وينهبون ويقتلون ويأسرون إلى ليلة نصف شعبان وكان الكندهري قد أنفق على منجنيق كبير عظيم الشكل على ما نقل الجواسيس والمستأمنون ألفاً وخمسمائة دينار وأعده ليقدمه إلى البلد ومنع من حريقه في ذلك اليوم كونه بعيداً عن البلد لم يقدم بعد إليه‏.‏

ولما كانت الليلة المباركة المذكورة خرج الزراقون والمقاتلة تحفظهم من كل جانب والله يكلأهم فساروا من تحت ستر الله حتى أتوا المنجنيق المذكور وأضرموا فيه النار فاحترق من ساعته ووقع الصياح من الطائفتين وذهل العدو فإنه كان بعيداً من البلد وخافوا أن يكونوا قد أحيط بهم من الجوانب وكان نصراً من عند الله وأحرق بلهيبه منجنيقاً لطيفاً إلى جانبه‏.‏

 ذكر الحيلة وإدخال عكا

بطسة عمرها وأودعها أربعمائة غرارة من القمح ووضع فيها الجبن والبصل والغنم وغير ذلك من الميرة وكان الإفرنج خذلهم الله قد أداروا مراكبهم حول عكا حراسة لها من أن يدخلها مراكب المسلمين وكانت قد اشتدت حاجة من فيها إلى الطعام والميرة فركب في بطسة بيروت جماعة من المسلمين وتزيوا بزي الإفرنج حتى حلقوا لحاهم ووضعوا الخنازير على سطح البطسة بحيث ترى من بعد وعلقوا الصلبان وجاءوا قاصدين البلد من البعد حتى خالطوا مراكب العدو فخرجوا إليهم واعترضوهم في الحراقات والشواني وقالوا لهم نراكم قاصدين البلد واعتقدوا أنهم منهم فقالوا أولم تكونوا قد أخذتم البلد فقالوا لم نأخذ البلد بعد فقالوا نحن نرد القلوع إلى العسكر وقد أتي بطسة أخرى في هوائنا فأنذروهم حتى يدخلوا البلد وكان وراءهم بطسة إفرنجية قد اتفقت معهم في البحر قاصدة العسكر فنظروا فرأوها فقصدوها ينذرونها فاشتدت البطسة الإسلامية في السير واستقامت لها الريح حتى دخلت ميناء البلد وسلبت ولله الحمد‏.‏

وكان فرحاً عظيماً فإن الحاجة كانت قد أخذت من أهل البلد وكان ذلك في العشر الأواخر من رجب‏.‏